الشيخ عبد الغني النابلسي

7

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

والحاصل أن رحمة اللّه تعالى صفة من صفاته وحضرة من حضراته وقد توجهت منه تعالى على إيجاد كل شيء وإمداده . ومن جملة ذلك إيجاد قلب العارف باللّه تعالى ومعرفته به تعالى ، ولا شك أن قلب العارف بسبب معرفته باللّه تعالى فان مضمحل ، عن كل حادث من ذاته ومن غيره ، فلا حكم عنده إلا للوجود المطلق حتى عن الإطلاق ، فهو الظاهر له به وبكل شيء مثل ظهور المعاني بالألفاظ ، فإن الذهن ما دام ملاحظا للفظ المخصوص ، وهو في حال ملاحظته له ناظر إلى المعنى الذي يدل عليه ذلك اللفظ ، فهو مستحضر لذلك المعنى ، ومتى التفت إلى ملاحظة اللفظ من حيث هو وأعرض عن نظره منه إلى معناه فقد أعرض عن معناه وانحجب باللفظ عن المعنى ، وكذلك إذا أعرض عن ملاحظة اللفظ فقد أعرض عن النظر إلى معناه وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [ النحل : 60 ] ، فالمشهود في الفناء الأوّل أحوال العبد بمنزلة الألفاظ ينظر منها إلى المعاني ، والشهود في الفناء الثاني وهو الفناء عن الفناء أعيان الأشياء كلها لا من حيث اتصافها بالوجود بل عين الوجود من حيث اتصافه بأعيان الأشياء على حسب ما يعطي الوهم لا على حسب ما الأمر عليه في نفسه ، وهذا أمر معلوم عند القلب العارف مقطوع به ، والضرورة عنده في هذا الشهود واضحة ، وذلك معنى وسع القلب للحق تعالى ، فإذا كان القلب واسعا للحق تعالى كان واسعا لجميع صفاته وحضراته بالأولى ، فهو أوسع من الرحمة الإلهية ، وإذا اعتبر وسع الرحمة لكل شيء إيجادا وإمدادا هو عين وسعها للصفات والأسماء والحضرات الإلهية ، ومن جملة ذلك قلب العارف باللّه تعالى ، فالرحمة أوسع حينئذ من قلب العارف ، وإن اعتبر حال القلب أنه هو عين الرحمة كانت الرحمة مساوية للقلب ( هذا ) الكلام ( مضى ) ، أي تقرر وتم تحريره . * * * ثمّ لتعلم أنّ الحقّ تعالى كما ثبت في الصّحيح يتحوّل في الصّور عند التّجلّي ، وأنّ الحقّ تعالى إذا وسعه القلب لا يسع معه غيره من المخلوقات فكأنّه يملؤه . ومعنى هذا أنّه إذا نظر إلى الحقّ عند تجلّيه له لا يمكن معه أن ينظر إلى غيره . وقلب العارف من السّعة كما قال أبو يزيد البسطاميّ : « لو أنّ العرش وما حواه مائة ألف ألف مرّة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ به » . وقال الجنيد في هذا المعنى : « إنّ المحدث إذا قرن بالقديم لم يبق له أثر ،